مجمع البحوث الاسلامية
785
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
حفظ كتابه من هذين الوجهين : أحدهما : أن يحفظوه في صدورهم ويدرسوه بألسنتهم . والثّاني : أن لا يضيّعوا أحكامه ولا يهملوا شرائعه . المسألة الثّانية : الباء في قوله بِمَا اسْتُحْفِظُوا فيه وجهان : الأوّل : أن يكون صلة الأحبار على معنى العلماء بما استحفظوا . والثّاني : أن يكون المعنى : يحكمون بما استحفظوا . وهو قول الزّجّاج . ( 12 : 4 ) نحوه النّيسابوريّ . ( 6 : 102 ) العكبريّ : يجوز أن يكون بدلا من قوله : بِهَا في قوله : يَحْكُمُ بِهَا ، وقد أعاد الجارّ لطول الكلام ، وهو جائز أيضا وإن لم يطل . ( 1 : 438 ) القرطبيّ : أي استودعوا من علمه . والباء متعلّقة ب الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ كأنّه قال : والعلماء بما استحفظوا ، أو تكون متعلّقة ب يَحْكُمُ أي يحكمون بما استحفظوا . ( 6 : 189 ) أبو حيّان : الباء في بِمَا للسّبب ، وتتعلّق بقوله : يَحْكُمُ واستفعل هنا للطّلب ، والمعنى : بسبب ما استحفظوا ، والضّمير في اسْتُحْفِظُوا عائد على النّبيّين والرّبّانيّين والأحبار ، أي بسبب ما طلب اللّه منهم بحفظهم لكتاب اللّه وهو التّوراة ، وكلّفهم حفظها ، وأخذ عهده عليهم في العمل بها والقول بها . وقد أخذ اللّه على العلماء حفظ الكتاب من وجهين : أحدهما : حفظه في صدورهم ودرسه بألسنتهم ، والثّاني : حفظه بالعمل بأحكامه واتّباع شرائعه ، وهؤلاء ضيّعوا ما استحفظوا حتّى تبدّلت التّوراة . وفي بناء الفعل للمفعول وكون الفعل للطّلب ، ما يدلّ على أنّه تعالى لم يتكفّل بحفظ التّوراة ، بل طلب منهم حفظها ، وكلّفهم بذلك ، فغيّروا وبدّلوا وخالفوا أحكام اللّه ، بخلاف كتابنا ، فإنّ اللّه تعالى قد تكفّل بحفظه ، فلا يمكن أن يقع فيه تبديل ولا تغيير . قال تعالى : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ الحجر : 9 . وقيل : الضّمير في اسْتُحْفِظُوا عائد على الرّبّانيّين والأحبار فقط ، والّذين استحفظهم التّوراة هم الأنبياء . ( 3 : 491 ) ابن كثير : أي بما استودعوا من كتاب اللّه الّذي أمروا أن يظهروه ، ويعملوا به . ( 2 : 576 ) الشّربينيّ : [ نحو الفخر الرّازيّ إلّا أنّه قال : ] والضّمير في اسْتُحْفِظُوا للأنبياء والرّبّانيّين والأحبار جميعا . ( 1 : 377 ) أبو السّعود : إنّما الرّبّانيّيون والأحبار خلفاء ونوّاب لهم في ذلك كما ينبئ عنه قوله : بِمَا اسْتُحْفِظُوا أي بالّذي استحفظوه من جهة النّبيّين وهو التّوراة ؛ حيث سألوهم أن يحفظوها من التّغيير والتّبديل على الإطلاق . ولا ريب في أنّ ذلك منهم عليهم السّلام استخلاف لهم في إجراء أحكامها ، من غير إخلال بشيء منها . وفي إبهامها أوّلا ثمّ بيانها ثانيا ، بقوله تعالى : مِنْ كِتابِ اللَّهِ - من تفخيمها وإجلالها ذاتا وإضافة ، وتأكيد إيجاب حفظها والعمل بما فيها - ما لا يخفى . وإيرادها بعنوان الكتاب للإيماء إلى إيجاب حفظها عن التّغيير من جهة الكتابة .